فوزي آل سيف

150

الأمراض الاخلاقية: نظرة جديدة في عوامل السقوط

إن الآيات القرآنية المؤكدة دائما على (اعملوا) وما يشتق من مفردة العمل، جاءت لتغير النظرة تجاه الحياة. فلم يكتف الدين الاسلامي بأنه " إيمان واعتقاد " وإنما هو دعوة إلى " عمل الصالحات" وهذه مظلة واسعة، تنضوي تحتها عشرات العناوين من الإنجازات الفردية والاجتماعية والعلمية الطبية والصناعية والعبادية وغيرها مما ينتهي إلى نفع الناس. واقترنت علامة المسلم بأنه (مؤمن يعمل) وليس أي عمل (وإنما عمل صالح)! والمتتبع لآيات القرآن يجد عددا كبيرا منها محرضا على العمل الصالح. )وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ)[343] وفي المقابل فقد ذمت التوجيهات الدينية الكسل وقبحت فعله وقرعت فاعله، وطلبت اجتنابه، سواء على المستوى الفكري أو العملي، فللوقاية من الكسل الفكري دعت للنظر والتفكر والتأمل والتدبر؛ سواء في الطبيعة وقوانينها والمخلوقات وأسرارها[344]أو تدبر آيات القرآن ومفاهيمه (أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا). وكذلك على المستوى العملي والعضلي البدني، في الحياة العامة لطلب الرزق وأمور المعيشة، أو الكسل في طلب العلم، أو أمر العبادة، وسنتناول هذه الجهات بالتدريج. الكسل عن أمر المعيشة: ورد في الحديث عن أبي جعفر، محمد بن علي الباقر عليه السلام: "إِنِّي لَأُبْغِضُ الرَجُلَ أَنْ يَكُونَ كَسْلَانًا عَنْ أَمْرِ دُنْيَاهُ فَإِنَّ مَنْ كَسَلَ عَنْ أَمْرِ دُنْيَاهُ، فَهُوَ عَنْ أَمْرِ آخِرَتِهِ أَكْسَلُ "، وفي نسخة "لَأُبْغِضُ لِلرَّجُلِ" ويختلف المعنى. فإذا كان النص "إِنِّي لَأُبْغِضُ الرَجُلَ"، يعني: أني أبغض هذا الكسول بذاته، يعني أن متعلق البغض والكراهة هو ذات الرجل الكسول. وأما أذا كان النص " إنَي لَأُبْغِضُ لِلرَّجُلِ" فيكون المعنى أن الإمام يبغض عمله. وعلى أي حال فإن الكسل عن أمور الدنيا وتحصيل المعاش قد يكون راجعا إلى خلل فكري، حين يقول بعضهم في تبرير ذلك: ما قيمة الدنيا؟ ليس لها قيمة، وإنما خلق الإنسان للآخرة، فعليه أن يسعى لتلك الباقية بدلا من هذه الفانية! ينتج عن هذا أن يكسل عن أمر معاشه وإن نشط في أمر عبادته، وربما أضاف إلى هذه الفكرة، فكرة أخرى غير صحيحة من أن الرزق لما كان من عند الله فإذا عبدت الله وتوكلت عليه فقد تكفل برزقك، ولعل قسما غير قليل من المتصوفة والدروايش يعتقدون بهذا، فهم لا يسعون في أمر معاشهم ويتمثلون بالقول: إن الذي شق فمي كافل بالرزق حتى يتوفاني[345] وفي تتمة الحديث يغلّط الإمام الكسالى عن أمر معاشهم، ويقول إن من كان كسولا عن أمر دنياه فهو عن أمر آخرته أكسل.

--> 343 البقرة: 25 344 ) يوسف: 105 (وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ) 345 ولا ريب أن الله سبحانه وتعالى خلق الكائنات وجعل رزقها عليه (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا) وبالنسبة للبشر(قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ)، وهذا لا يختلف فيه أحد من أهل الدين، وإنما الكلام أنه هل وضع قواعد في ذلك وسننا أو لا؟ لقد ربط الله سبحانه رزقه بأن جعل الأرض ذلولا، وطلب من خلقه أن يمشوا في مناكبها حتى يأكلوا من رزقه.. وبلغ الأنبياء والأوصياء عن ربهم أن من جملة من لا يستجاب دعاؤهم من يجلس في منزله ويدعو ربه بالرزق.. فعن الامام الصادق (أ رأيت لو أنّ رجلا دخل بيتا وطيّن عليه بابه. ثمّ قال. رزقي ينزل عليّ كان يكون هذا أحد الثلاثة الّذي لا يستجاب لهم قلت: من هؤلاء قال:.. والرجل يكون عنده الشيء فيجلس في بيته فلا ينتشر ولا يلتمس ولا يطلب حتّى يأكله. ثمّ يدعوا فلا يستجاب له).